صديق الحسيني القنوجي البخاري
58
فتح البيان في مقاصد القرآن
سبحانه بعد الأمر بما ذكر من القوارع الزاجرة عن الكفر والمعاصي ، لبيان عدم تأثيرها في قلوب الكفرة لاختلال عقولهم . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 10 إلى 11 ] قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 10 ) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 11 ) قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لما نفى سبحانه المساواة بين من يعلم من لا يعلم ، وبين أنه إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يأمر المؤمنين من عباده بالثبات على تقواه والإيمان به ، والمعنى يا أيها الذين صدقوا بتوحيد اللّه اتقوا ربكم بطاعته واجتناب معاصيه ، وامتثال أوامره وإخلاص الإيمان له ، ونفي الشركاء عنه ، والمراد : قل لهم قولي هذا بعينه ، ثم لما أمر اللّه سبحانه المؤمنين بالتقوى ، بين لهم ما في هذه التقوى من الفوائد فقال : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا أي عملوا الأعمال الحسنة فِي هذِهِ الدُّنْيا على وجه الاخلاص حَسَنَةٌ عظيمة وهي الجنة ، وقوله : فِي هذِهِ الدُّنْيا متعلق بأحسنوا وقيل بحسنة على أنه بيان لمكانها ، فيكون المعنى للذين أحسنوا في العمل حسنة في الدنيا بالصحة والعافية ، والظفر والغنيمة ، والأول أولى ، ثم لما كان بعض العباد قد يتعسر عليه فعل الطاعات ، والإحسان في وطنه أرشد اللّه سبحانه من كان كذلك إلى الهجرة فقال : وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ وبلاده كثيرة ، فليهاجر إلى حيث تمكنه طاعة اللّه والعمل بما أمر به ، والترك لما نهي عنه ، كما هو سنة الأنبياء والصالحين ، فإنه لا عذر له في التفريط أصلا ؛ ومثل ذلك قوله سبحانه : أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [ النساء : 97 ] وقد مضى الكلام في الهجرة مستوفى في سورة النساء . وقيل المراد بالأرض الواسعة هنا أرض الجنة ، رغبهم في سعتها وسعة نعيمها كما في قوله : جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [ آل عمران : 133 ] والجنة قد تسمى أرضا . قال تعالى : وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [ الزمر : 74 ] والأول أولى . وقيل ارتحلوا من مكة وتحولوا إلى بلاد أخر ؛ واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ، ليزدادوا إحسانا إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم ؛ وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي وقيل من أمر بالمعاصي في بلد فليهرب منه ثم لما بين سبحانه ما للمحسنين إذا أحسنوا ؛ وكان لا بد في ذلك من الصبر على فعل الطاعة ؛ وعلى كف النفس عن الشهوات ، أشار إلى فضيلة الصبر وعظيم مقداره فقال :